أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

331

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثاني : أنها جواب لو فإن « لو » تجاب بالجملة الاسمية . قال الزمخشري : أوثرت الجملة الاسمية على الفعلية في جواب لو ، لما في ذلك من الدلالة على ثبوت المثوبة واستقرارها كما عدل عن النصب إلى الرفع في سَلامٌ عَلَيْكُمْ * « 1 » وفي وقوع جواب « لو » جملة اسمية نظر يحتاج إلى دليل غير محل النزاع . قال الشيخ « 2 » : « لم يعهد في كلام العرب وقوع الجملة الابتدائية جوابا للو » ، إنما جاء هذا المختلف في تخريجه ، ولا تثبت القواعد الكلية بالمحتمل . والمثوبة فيها قولان : أحدهما : أن وزنها مفعول والأصل مثووية - فثقلت الضمة على الواو ، فنقلت إلى الساكن قبلها ، فالتقى ساكنان فحذف أحدهما ، مثل : مقولة ومجوزة ومصون ومشوب ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول ، فهي مصدر ، نقل ذلك الواحدي « 3 » . والثاني : أنها مفعلة من الثواب بضم العين ، وإنما نقلت الضمة منها إلى الثاء ويقال : « مثوبة » بسكون الثاء وفتح الواو ، وكان من حقها الإعلال فيقال : « مثابة » كمقامة ، إلا أنهم صححوها كما صححوا في الأعلام مكوزة ، وبذلك قرأ أبو السمال وقتادة كمشورة . ومعنى « لمثوبة » أي : ثواب وجزاء من اللّه . وقيل : لرجعة إلى اللّه . قوله : مِنْ عِنْدِ اللَّهِ في محل رفع صفة لمثوبة ، فيتعلق بمحذوف أي : لمثوبة كائنة من عند اللّه ، والعندية هنا مجاز كما تقدم في نظائره . قال الشيخ « 4 » : « وهذا الوصف هو المسوغ لجواز الابتداء بالنكرة » قلت : ولا حاجة إلى هذا لأن المسوغ هنا شيء آخر ، وهو الاعتماد على لام الابتداء ، حتى لو قيل في الكلام : « لمثوبة خير » من غير وصف لصح . والتنكير في « لمثوبة » يفيد أن شيئا من الثواب - وإن قل - خير فلذلك لا يقال له قليل ونظيره : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ « 5 » . وقوله : خَيْرٌ خبر لمثوبة ، وليست هنا بمعنى أفعل التفضيل ، بل هي لبيان أنها فاضلة كقوله : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا « 6 » أَ فَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ « 7 » . قوله : لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ جوابها محذوف تقديره : لكان تحصيل المثوبة خيرا ، أي تحصيل أسبابها من الإيمان والتقوى ، وكذلك قدره بعضهم : لآمنوا . وفي مفعول « يعلمون » وجهان : أحدهما : أنه محذوف اقتصارا أي : لو كانوا من ذوي العلم . والثاني : أنه محذوف اختصارا تقديره : لو كانوا يعلمون التفضيل في ذلك أو يعلمون أن ما عند اللّه خير وأبقى . 104 - قوله تعالى : لا تَقُولُوا راعِنا : الجمهور على « راعنا » أمر من المراعاة وهي النظر في مصالح

--> ( 1 ) سورة الذاريات ، آية ( 25 ) . ( 2 ) البحر المحيط ( 1 / 335 ) . ( 3 ) علي بن أحمد بن محمد بن عليّ الإمام أبو الحسن الواحدي المفسر صاحب البسيط والوسيط والوجيز توفي سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وانظر ترجمته في تحقيقنا على تفسير الوسيط ، وانظر البغية ( 2 / 145 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 335 ) . ( 5 ) سورة التوبة ، آية ( 72 ) . ( 6 ) سورة الفرقان ، آية ( 24 ) . ( 7 ) سورة فصلت ، آية ( 40 ) .